عبد الملك الجويني

191

الشامل في أصول الدين

مصرّون على الإباء عنه ، غير مكترثين بما يلم بهم من الآلام ، ويبرح بهم مع الأوجاع والأسقام . والذي يعضد ذلك أن الإلجاء لا يسلب قدرة الملجأ باتفاق أرباب الألباب ، ومن حكم القادر على الشيء عند المعتزلة أن يكون قادرا على ضده ، فإذا لم يناف القهر والقسر القدرة وتعلقها ، فما المانع من اختيار الملجأ ضد ما ألجئ إليه ، وهذا لا مخلص منه . على أنا نقول : إنما أراد اللّه من العباد ، عندكم ، أن يطيعوه مختارين ، مستحقين الثواب غير مضطرين ، ولو اضطروا لما كان البادر منهم طاعة ، بل كان من أقبح القبائح . فالذي زعمتم أنه مقدور للّه ، وهو إلجاء غير مراد له ، وما هو مراد له ، هو وقوع الطاعة اختيارا ، لا يتصف بالقدرة على تحصيله . ثم لم يدل ذلك عندكم على نقض ، فقولوا على طرد ذلك : لا ينفذ مراد أحد القديمين ، ولا يدل ذلك على نقض ، وهذا ما لا مدفع له . فإلى اللّه عز وجل الابتهال في أن يجنبنا مذهبا يورطنا في إبطال دلالة التمانع ، وهي حجاج اللّه تعالى على خلقه في محكم كتابه . ومما يصدهم عن دلالة التمانع قولهم بوجوب تماثل القديمين ، وذلك أنهم زعموا أن القدم أخص وصف القديم ، والمشتركان في الأخص يجب تماثلهما في سائر صفات النفس ، ومنه زاغوا ، فنفوا صفات الرب ، تعالى عن قول الزائغين . فإذا وضح ذلك من أصلهم ، قيل لهم : بم تنكرون على من يقول لكم إنا نثبت قديمين متساويين في جملة صفات النفس ، ومن صفات النفس كونهما قادرين ، عالمين ، ثم إذا تماثلا ؛ لزم أن يكون مقدور كل واحد منهما مقدورا للآخر من حيث تماثلا ؟ وإذا كان كذلك فلا يوجد مقدور أحدهما ، إلا والثاني قادر عليه . فلا يتصور أن ينفرد أحدهما بمقدور يريده ، فيصد عنه ، وفيه إبطال التمانع . فإن قالوا : فنحن نثبت الوحدانية باستحالة مقدورين قادرين . قلنا : غرضنا الآن إيقاع الحيلولة بينكم وبين التمانع ، وسنبطل اعتصامكم الآخر بالمقدور بين قادرين في الفصل الذي يلي هذا الفصل . فإن قالوا : ما ألزمتمونا في الذاتين القادرتين ينقلب عليكم في القدرتين ، فإن القديمين ، لو قدر إثباتهما قادرين بقدرتين قديمتين ، فيجب أن تتعلق كل قدرة بجميع المقدورات حتى يكون مقدور كل واحد منهما مقدورا للآخر ، ويلزمكم من ذلك ما ألزمتمونا في الذاتين .